يطرح جيفري تاليفيرو في مستهل تحليله رؤية تستلهم مقولة نابليون الشهيرة: لا تقاطع عدوك حين يرتكب خطأ. يرى أن صناع القرار في موسكو وبكين تابعوا حرب الولايات المتحدة في إيران بهذا المنطق، إذ أطال الصراع أمده دون حسم واضح. ومع دخول هدنة مؤقتة بين طهران وواشنطن، يلمح إلى أن بقاء إيران وحده كفيل بخدمة مصالح خصوم أمريكا. ينطلق التحليل من فهم عميق لتوازنات القوى، حيث لا تحتاج طهران إلى الانتصار، بل إلى الصمود.
يعرض موقع ذا كونفرزيشن هذا التحليل بوصفه قراءة أكاديمية لتداعيات الحرب على مكانة واشنطن العالمية، مع التركيز على أربع نتائج رئيسية تعكس تراجع النفوذ الأمريكي أمام صعود الصين وروسيا.
تراجع النفوذ في الشرق الأوسط
يؤكد التحليل أن الحرب كشفت هشاشة موقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. سعت واشنطن لعقود إلى تحقيق توازن دقيق بين مصالح متناقضة، بدءًا من احتواء النفوذ السوفيتي سابقًا وصولًا إلى كبح صعود الصين وروسيا لاحقًا. لكن الحرب الأخيرة قلبت المعادلة.
استغلت موسكو وبكين الفراغ الاستراتيجي لتعزيز حضورهما. دعمت روسيا إيران سياسيًا وعسكريًا، بينما وسّعت الصين دورها الدبلوماسي، خاصة بعد نجاحها في الوساطة بين السعودية وإيران. يبرز التناقض هنا بوضوح: جاءت الحرب في لحظة كانت فيها فرص روسيا والصين محدودة، لكنها أعادت فتح الباب أمامهما.
تدفع حالة عدم الثقة المتزايدة في واشنطن دول الخليج إلى البحث عن شركاء جدد. تتجه هذه الدول نحو تنويع تحالفاتها، ما يقلل اعتمادها على الحماية الأمريكية التقليدية.
تشتيت الأولويات الاستراتيجية
يكشف القرار الأمريكي بخوض الحرب عن تناقض واضح مع الاستراتيجية المعلنة. ركزت واشنطن سابقًا على تقليل انخراطها في الشرق الأوسط لصالح مناطق أخرى مثل المحيطين الهندي والهادئ. لكن الحرب أعادت تركيز الاهتمام على منطقة كانت الإدارة تحاول الابتعاد عنها.
يؤدي هذا التحول إلى إضعاف تحالفات الولايات المتحدة. تجاهلت الإدارة الأمريكية مخاوف حلفائها، ما عمّق الانقسامات داخل حلف الناتو. تفتح هذه الانقسامات الباب أمام روسيا والصين لاستغلال التباينات بين واشنطن وشركائها.
في الوقت ذاته، تعرقل الحرب التقدم الذي حققته الولايات المتحدة في مناطق أخرى. كانت واشنطن تسعى لتعزيز نفوذها في نصف الكرة الغربي، لكن الانخراط في إيران سحب الانتباه والموارد من تلك الجهود.
تداعيات اقتصادية غير متكافئة
تسببت الحرب في اضطرابات اقتصادية واسعة، خاصة بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي. أدى هذا الإغلاق إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما أضر بالاقتصاد العالمي، لكنه منح روسيا فرصة لتعزيز عائداتها النفطية.
استفادت موسكو من ارتفاع الأسعار وتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية، بينما واجهت الولايات المتحدة تحديات أكبر في السيطرة على تداعيات الأزمة. أما الصين، فرغم تعرضها لمخاطر في إمدادات الطاقة، فقد أظهرت قدرة أعلى على التكيف بفضل تنويع مصادرها واستثماراتها في الطاقة البديلة.
يعكس هذا التباين خللًا في موازين التأثير الاقتصادي. كلما فقدت واشنطن السيطرة على الممرات الحيوية، تراجع نفوذها في المنطقة، خاصة مع فرض إيران قيودًا على حركة السفن.
تآكل القيادة العالمية
يبرز التحليل تراجع صورة الولايات المتحدة كوسيط موثوق. اختارت واشنطن التصعيد العسكري بدل الاستمرار في التفاوض، ما أضعف مصداقيتها الدولية. في المقابل، عززت الصين حضورها كوسيط عالمي.
دفعت بكين نحو التهدئة وساهمت في قبول إيران بالهدنة. يعكس هذا التحول انتقالًا تدريجيًا في مركز الثقل الدبلوماسي من واشنطن إلى بكين. ولم يعد العالم يرى الولايات المتحدة بوصفها القائد الأوحد للنظام الدولي.
يخدم هذا التراجع أيضًا المصالح الروسية، إذ يحوّل الانتباه بعيدًا عن صراعات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا. يتيح ذلك لموسكو مساحة أوسع للمناورة دون ضغط دولي مكثف.
يكشف التحليل أن حرب إيران لم تضعف خصوم الولايات المتحدة بقدر ما أضعفتها هي نفسها. عمّقت الحرب الشكوك في التزام واشنطن بحلفائها، وفتحت المجال أمام قوى منافسة لإعادة تشكيل النظام الدولي.
يرسم هذا المشهد ملامح عالم متعدد الأقطاب، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية تدريجيًا لصالح توازنات جديدة. لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحسم الصراعات، بل باتت القدرة على إدارة التحالفات وصياغة النفوذ الناعم هي العامل الحاسم.
وفي النهاية، يطرح التحليل سؤالًا ضمنيًا: هل تستطيع الولايات المتحدة استعادة موقعها، أم أن لحظة التحول التاريخي قد بدأت بالفعل؟

